جلال الدين الرومي
604
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
جمال الحسان الموجودات في مدينة شكل ( إحدى مدن التركستان ) تجليا جعل من الجسم المادي منبعا للجمال ، وجعل حاجب الحسان سالبا للب ، وجعل اللسان ينفث سحرا ( إن من البيان لسحرا ) . لقد فتح خزانة الأسرار وتجليات عالم الغيب ، أصمى قلبي بسهم من سهام العشق ، فجعل ألم هذا السهم شكرا له وسكرا في فمي ، ومن هنا فكل لحظاتى وأحوالي هي من أجله ، وعقل روحي ، أي عقلي الباحث عن الحق متوجه إليه في كل حال ، والعقل والروح حارسان لجوهرته اليتيمة « العشق » . . إنني لا أتقول هذا ، وإن كنت تظن أنني لا أصف ما في نفسي حقيقة فانظر إلى ماء وجودي قد أخمد نار العلائق النفسانية فِىّ فلا خوف ولا اضطراب لدىّ ، إنني لا أستطيع أن أتقول فإن مخزن الأسرار هو في يده سبحانه وتعالى ، ولهذا فأنا صامد لأننى في اعتماد على الحق ، ومن في عناية الله إنما يقضون على أعداء طريق الحق ويفضحونهم كما تفضح الشمس كل ما هو في الخفاء . ( 4144 - 4151 ) لقد صمد الأنبياء ، وكل نبي كان وحده ، كان فارس ميدانه هجم على جيوش الملوك ، وبثباته الذي يشبه الحجر الصلد دك هذه الجيوش التي كانت أمامه كأنها المدر ، إنه الصامد بعون الله وتأييده ، وبينما الآخرون من ملوك وجيوش يستمدون صلاتهم من عوامل دنيوية فسرعان ما يتحطمون ، وهل يضير القصاب كثرة الخراف ؟ وهل للخراف أية قيمة بدون حفظ الراعي وسعيه في خيرهم « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » والنبي راع من الرعاية والحفظ لا من الرعى ، يرعاهم حبا حتى ولو أغلظ عليهم ، إنما غلظته عليهم من أجل شفقته بهم ( تمهيد لموضوع قادم في أن البلاء من الله تعالى صهر للمؤمنين وإنضاج لهم ) .